جعفر عباس يكتب: براءة وشباب ورياضة..

منذ نحو عشرين سنة (أي منذ كنت في السن ال19) وأنا أفكر في العودة النهائية الى السودان، ثم وفي كل سنة أمد سنوات الاغتراب الى خمس سنوات وخمسة في خمسة صار قرار العودة ذاك مؤجلا الى تاريخ غير “معلوم”، وما أدى الى ذلك التأجيل ليس صعوبة تصاريف الحياة اليومية في السودان، لأنني أحسب انني قوي العود بحكم التربية والتنشئة وظللت معظم سنوات عمري “أكابس” تحت مختلف الظروف والضغوط، والشيء الوحيد الذي يجعلني استبعد العودة الطوعية الى الوطن هو تردي الخدمات الطبية: يتقاضى منك مستشفى المليارات ثم يسلمك الى أهلك جنازة، ربما بسبب الإهمال وربما لعدم وجود الأدوية والمعينات اللازمة.

منذ بضع سنوات وأنا أقوم بفحص دوري للدم واختبار مستضد البروستات النوعي PSA Prostate Specific Antigen وهو الذي يحدد ما إذا كانت هناك إصابة محتملة او حادثة بسرطان البروستات، الذي يصيب الرجال غالبا بعد سن ال45 (هل عرفتم لماذا ارابط في سن 39؟) بل ان نحو 80% من الرجال معرضون للإصابة به فوق سن الخمسين، وقبل 3 سنوات كانت نتيجة الفحص عندي تضعني على عتبة سرطان البروستات، ويوم الاثنين الماضي أعطيت عينة الدم لفحص PSA والسكر التراكمي وفيتامين دي (الذي كان حسابه عندي قبل 4 اشهر 13 فقط وهي نسبة متدنية جدا وظللت اتعاطى أقراص فيتامين دي بتركيز 50000 وحدة دولية طوال الشهور الماضية)، وعشت متوترا في انتظار النتائج لان اليوم التالي 14/2 كان عطلة عامة في قطر بمناسبة اليوم الوطني للرياضة، ثم تلقيت صكوك البراءة عصر امس (كنت في جامعة الخرطوم اسبق بنتا في منتهى الظرف واللطف بسنتين، ولكن كان عيبها الكبير هو الفشخرة الساذجة، فإذا قلت إن أبوك يملك دراجة قالت ان ابوها يملك كارو، وإذا قلت ان اخوك لاعب كراتيه ممتاز قالت ان أختها بطلة السودان في الكركديه، وذات مرة تكلم زميل لنا عن معاناة والده من تضخم البروستات فما كان من الزميلة إلا ان صاحت: غايتو البروستات معذبة أمي جنس عذاب).

نقص فيتامين د يسبب هشاشة العظام لدى البالغين، والكساح عند الأطفال، وقد يكون سببا في أمراض القلب والسكري والسرطان، وبحمد الله ارتفع حسابه عندي من 13 الى 53، وحساب السكري التراكمي أيضا جاء مطمئنا، وخوفي من السكري منشؤه انني مثل معظم السودانيين تشكل النشويات من خبز وكسرة وقراصة نسبة عالية من حصتي في الأكل والنشويات تتحول الى سكر بعد الهضم وفوق أنه قد يسبب العمى والفشل الكلوي والسكتات والنوبات القلبية، فإنه قد يحرمني من احب الأشياء الى قلبي مثل البطيخ والشمام، وحرمان كوستاوي من هاتين كحرمان ابن سنة واحدة من الرضاعة، والتمر، وحرمان ابن بدين منه كقطع الأوكسجين عن نزيل غرفة العناية الفائقة في المشفى، و”الطحنية” السودانية (بالتحديد انتاج سعد)، وسمسمية المولد، وفي بيتي في الدوحة ست نخلات تنتج رطبا تنطبق عليه الفتوى “ما أسكر كثيره فقليله حرام” وعندي في الفريزر كميات ضخمة من الرطب لزوم رمضان، كما انني مدمن تمور تحمل اسم السكري تشتهر بها منطقة القصيم في السعودية (بالمناسبة من خواص الرطب انه لا يتجمد في الفريزر).

الحمد لله انني نلت البراءة من تلك العلل أمس وربما بارك الله في صحتي لأنني طنشت شيخ فالنتاين، الذي ظهر في السنوات الأخيرة، فجيلي (الثلاثيني) لم يعرفه خلال سنوات الدراسة والسنوات الأولى من حياتنا العملية، وحتى لو كان موجودا ما كان هناك ورد احمر او لون زينب، فالزهرة الوحيدة التي كنا نعرفها هي عباد الشمس الأصفر الذي تعرض للأسلمة في دولة الكيزان وصار زهرة الشمس، كما صارت المجاعة فجوة غذائية


Leave A Reply

Your email address will not be published.