أحمد الفكي يكتب : وقفات مع الشاغلين فؤادي..

مدينة مدني هي مهد الإبداع و لا أحد يُجادل في ذلك و ليس ذلك تحيزاً و تعصُّباً لها من حيث مسقط رأسي ولادتي و نشأتي و انتمائي لها و لكن كل ذلك حفظه التاريخ منذ تأسيس المدينة و بيئتها الدينية و الروحية التي تكتنفها ، و من مدني نبغ على المساح رمزاً من رموز شعراء الحقيبة شعراً عفيفاً وقبل الإسترسال في من هو علي المساح و أثر البيئة الدينية و الروحية و الخلاوي و ليالي الذكر التي تعج بها المدينة في أغنيته الشاغلين فؤادي لأقف وقفة ثم وقفات حول هذا الإبداع اللغوي الفريد .
على المساح تقول حزءاً من سيرته العطرة التي يفتخر بها أبناء مدني هو علي أحمداني وأشتهر بـ (المساح) ، ولد في أمدرمان بحي (الاسبتالية) عام 1901، في بواكير طفولته انتقل مع والده الذي كان ترزياً إلى مدينة ود مدني حي المدنيين و سعدابي الذي لا يفصل بينهما سوي مسافة محدودة ، حيث اخذ على المساح مهنة الخياطة من والده وعمل بها بسوق ود مدني. جاءت تسميته بالمساح لأنه كان كثير التجوال و الحركة بلهجتنا الدارجة (حوَّام ) صباح مساء لا يحب البقاء في مكان واحد، يتمشى في أرجاء المدينة باحثا عن كل ما هو جميل، وكان يصغي للغناء أينما وجد. بعد وفاة والده استقر في حي المدنيين بمدينة ود مدني مع والدته و شقيقته.

جاء في سيرته أيضاً كان “المساح” قليل الكلام، غزير الإنتاج الشعري، تأثر في بداياته بـ” إبراهيم العبادي وصالح عبد السيد أبو صلاح و خليل فرح” نظم أول أغانيه في سن الرابعة عشر، والتي كانت بعنوان “الشاغلين فؤادي” التي غناها الفنان إبراهيم الكاشف وهنا وقفة للأثر الديني و عمق الثقافة اللغوية في أغنية الشاغلين فؤادي حيث يقول المطلع :
الشاغلين فؤادى وتايهين فائتين
يكفى البى ذارف دمع المايقين
لم يقل الشاغلين قلبي بل قال فؤادي وذلك لوجود فرق بين القلب و الفؤاد ، حيث القلب هو الأصل والصدر هو الفرع ، فمنه تخرج النية إلى الصدر . أما الفؤاد فهو موضع الرؤية، واللب هو موضع نوري التوحيد والتفريد، واللب أيضًا هو العقل الخالي من أي شوائب ، فكل لب عقل والعكس غير صحيح. فانشغل فؤاده وهنا أخذ معنى العقل لأنَّ شائبة من شوائب الحب أصابته .
وقفة مع التيه ، و التيه أصله الحيرة و الضلال و سُميَّ الشخص المتكتبر تائهاً على وجه التشبيه بالضلال .
التيه في الأرض ما يتحير فيه .
كان التيه عقاباً لبنى إسرائيل عندما لم يسمعوا أمر سيدنا موسى عليه السلام بمخالفتهم له أمر الجهاد بعد خروجهم من مصر و نجاتهم من فرعون و كانت وجهتهم الأرض المقدسة فتاهوا في الصحراء مدة 40 سنة يتهون في الأرض . و التيه هو رمز للبعد عن الهدف و الغاية و التمكين .
يكفي البي ذارف دمع المايقين . لغة دارجة ممزوجة بالفصحى ( البي) أي الذي حدث لي ، ذرف الدمع أي سأل وجرى ، و المآقي هو مجري الدموع من العين اي من طرفها مما يلي الأنف .
من القبله لاح لى برقاً لمع
والصيد فى الخمائل ياناس اجتمع
قوموا يا احبة نسترق السمع .
تعوَّدنا نحن في مدني عندما نشاهد البرق قبل هطول المطر ناحية القبلة التي تكون شرق مدني أنَّ السماء ستمطر لا محالة و البرق الذي يكون ناحية القبلة هو بمنزلة وفد مقدمة لنزول المطر ، فهنا علي المساح شاف لمعان البرق ناحية القبلة قد أضاء بلمعانه و محصلة ذلك الصيد وهو هنا مجاز مرسل يقصد ( جمع من الحسان و بما فيهم من احبها الشاعر الدليل دعوة الأحبة ليتصنت ما يقوله ذلك الصيد البشري الجميل ) اجتمع في الخمائل أي الشجر الكثيف الملتف حتى لا يصيبه ماء المطر فيبتل .
لغة علي المساح الفصحى نجدها من أثر الخلوة و ليالي الذكر التي تعج بها مدينة مدني ، فكلمة نسترق السمع تاصيلاً نجد ما يفيد معناها في سورة الجن( وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) الجن 9 .
إستراق السمع هو التَّصنت بعلم او بدون علم الآخر .
مابطيق القعدة والما اجتمع
قول احبابى لى يامولاى قدروا
انسلبت لحومى واعضاى خدروا
لامونى العوازل بحالى ازدروا
هم شايفين دلالو تايهين مادروا
النسيم عاودنى اقوم من نومى صاح
مشغول فكرى حاير مشطوب إنشطاب
يانسيم بالله تجيب رد الخطاب
أوعى الجاهلة نية وما بتحمل عتاب
حتى يصل إلى :
سامرت الكواكب لما الفجر لاح
منادي الفجر نادى وقال يا أهل الصلاح
صلوا الوقت حاضر قاموا أهل الصلاح
انا والليل قايمو لى خيال لى لاح
وقفة روحية تتجلى فيها معانٍ دينية متمثلة في ذكر سُنة و فريضة حيث قيام الليل السنة الحميدة فكان في أول الأمر فريضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالي ( قم الليل) ثم نُسخ بقوله تعالي ( فاقرءوا ما تيسر منه ) لذا سورة المزمل هي السورة التي نسخ آخرها أولها حيث رحم الله المؤمنين فأنزل التخفيف عليهم . أما الفرض الذي ذكره علي المساح هو سماعه لآذان الفجر و المؤذن يقول الصلاة خير من النوم .
البلابل ناحت بالليل الهجيع
سهرانات عيونهم مابيات الضجيع
من الحاله ديك اخير لي النجيع
وا حسرة شبابي مالقيت لي وجيع
* آخر الأوتاد :
هذا غيض من فيض لما جادت به قريحتي فيما جاء في أغنية الشاغلين فؤادي من ناحية الأثر الديني و الروحي الذي تمتاز به الحياة في ست المدائن مدني و ما أجمل ما يردده الفنان صديق متولي متعه الله بالصحة والعافية :
غنَّى البلبل الصداح و قال في مدني أحلى كلام
قال يا مدني نبع الخير فيها القبة و الصُلَّاح .
و مع وقفات الشاغلين فؤادي ، على المساح و إبراهيم الكاشف حسبك عزيزي القارئ من القلادة ما أحاط بالعنق

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.