جعفر عباس يكتب: فيهم الضرغام وفيهم من هو “أي كلام”

كما في كل مجتمع ابتلى الله المغتربين بقلة قليلة تحب المنظرة والفشخرة، ومن هذه الفئة أولئك الذين يعشقون حملة الألقاب الكبيرة من وزراء وسفراء ورؤساء، وما ان يسمعوا بان هناك مؤتمرا للمغتربين في الخرطوم حتى يشدوا الرحال اليها، وهم لا يحسنون حتى تمثيل انفسهم، فكل همهم أن يلتقطوا الصور مع أصحاب السعالي (أصحاب السعادة والمعالي)، ولا يعنيهم في شيء أن يقولوا لولي الأمر انه لا يجوز فرض الجزية على المغتربين، وان من المغتربين من يستحق الصدقة، فليس كل من يتسلم راتبه بالريال او الدينار او الدرهم ميسور الحال، وبعضهم قد يقول ذلك، ولكن فقط من باب ابراء الذمة وهم يعلمون ان المؤتمر مجرد شو show يتيح للحكومة ان تزعم انها تستمتع الى شكاوى المغتربين، وهكذا يبارك اشخاص انتخبوا انفسهم انشاء بنك او جامعة تحمل اسم المغتربين، ولا يسألون ماذا يكسب المغترب من وراء ذلك، فهم يتفادون الأسئلة الصعبة التي تجعلهم من المغضوب عليهم حكوميا، خاصة وان المنتمين الى هذه الشريحة يكونون عادة قياديين في مجالس جاليات المهجر التي تفبركها السفارات
وعطفا على هؤلاء هناك من “تمسكه ام فريحانة” ويحس فور الاغتراب انه سيخرق الأرض ويبلغ الجبال طولا و”يا ارض انهدي وما عليك قدّي”، ويتغير كل شيء في سلوكه وكلامه وحركاته وسكناته، ويتكرم سيادته بزيارة الوطن ليس شوقا للجذور والأهل ولكن للتعالي على الجذور والأهل، ويظل طوال إجازته في القرية او المدينة يشكو: أف/ أففف/ إيه دا؟ (تذكرت قريبنا النوبي الذي قضى سنتين في مصر وعاد الى البلدة في إجازة فحاصره الأهل بالتحايا: سِكِّر في؟ كيف هالك؟ ويينا؟ لعلك طيب؟ فهتف في ضيق: دي بلد دي؟ مفيش واهد كلم أرابي “عربي”؟) ثم يحرص على الصرف البذخي كي يقال عنه إنه يلعب بالفلوس، ولا يجد من يقول له: أتذكر اذ لحافك جلد تيس/ وإذ نعلاك من بعر البعير (اعتذر للشاعر عن تحوير البيت قليلا)، ومع هذا فإن المنتمي لهذا الصنف خير من ذاك يفضل ان يقضي اجازاته في أي مكان إلا السودان، ووالله هناك من لم يذهب الى الوطن حتى عند وفاة اب أو او اخ او اخت لأنه مشغول بملذاته ولا يرى معنى ل”بعزقة” الفلوس في تلقي العزاء في عزيز راحل، ولكن والحق يقال فان الأغلبية المطلقة من المغتربين تعاني وتتحمل أوجاع فراق الوطن والأحبة خدمة للأسرة الممتدة “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”، ويكفي مثل هذا المغترب ان يكون: التلب اللـزوم صاقعة هوايد الليـــل/ أخـــــــوك يا السُرّه جمــــل الشيـل/ الدَرَت الكبس وهجم البلد سيلـــــو/ عاوان الضعيف تمتام نقاص حيلو/ البرق البشيل .. من عصرو عبـادي/ المطر البسيل .. بالعافيه في الوادي/ ستّار العروض الراكـز الضــــرغام/ قضّاي الغروض مطر السما الجمّام/ الولـد الجَلَد مُرحاكة المريــــــوق/
عارفاك البلد بتحلحل المزنـــــوق/ يرعاك الكريـم تتعلاّ يالمبـــــروك/ يا ساتر العقاب يا ناجد المدروك
(لا تسأل قوقل عن المرحاكة والعبادي والدرت إلخ)

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.